أبي بكر جابر الجزائري
176
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ : أي كل من أهل الجنة وأهل النار بعلاماتهم . صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ : أي نظروا إلى الجهة التي فيها أصحاب النار . معنى الآيات : ما زال السياق في الحديث عن أصحاب الجنة وأصحاب النار فيخبر تعالى أن أصحاب الجنة نادوا أصحاب النار قائلين لهم إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا به من الجنة ونعيمها حقا ، فهل « 1 » وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم من النار وعذابها حقا ؟ فأجابوهم : نعم « 2 » إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، وهنا أذن مؤذن قائلا : لعنة « 3 » اللّه على الظالمين الذي يصدون عن سبيل اللّه التي هي الإسلام الموصل إلى رضا اللّه تعالى والجنة ، ويبغونها عوجا أي يريدون سبيل اللّه معوجة تدور معهم حيث داروا في شرورهم ومفاسدهم ، وشهواتهم وأهوائهم ، وهم بالآخرة كافرون أيضا فهؤلاء يلعنونهم : لعنة اللّه على الظالمين الذين تلك صفاتهم قال تعالى في الآية الثالثة : وَبَيْنَهُما أي بين أهل الجنة وأهل النار حِجابٌ فاصل أي حاجز وهو مكان على مرتفع ، وعليه رجال من بني آدم استوت سيئاتهم وحسناتهم فحسبوا هناك حتى يقضي بين أهل الموقف فيحكم فيهم بدخولهم الجنة إن شاء اللّه تعالى . وقوله : يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ أي يعرفون أهل الجنة بسيماهم وهي بياض الوجوه ونضرة النعيم ، ويعرفون أهل النار بسواد الوجوه وزرقة العيون . وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أي نادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة قائلين : سلام عليكم يتطمعون بذلك كما قال تعالى لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ . وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ « 4 » أَصْحابِ النَّارِ أي نظروا إلى جهة أهل النار فرأوا أهلها مسودة وجوههم زرق أعينهم يكتنفهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، رفعوا أصواتهم قائلين : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي أهل النار لأنهم دخلوها بظلمهم والعياذ باللّه .
--> ( 1 ) هذا سؤال توبيخ وتعيير لا استفهام واستخبار . ( 2 ) في نعم لغات : فتح النون والعين نعم وكسر العين للفرق بينها وبين النعم التي هي الإبل والبقر والغنم ، وهي حرف إجابة وتكون للعدة والتصديق فمثال العدة نحو : أيقوم زيد ؟ فتقول : نعم أي تعده بقيامه ومثال التصديق قولك : هل جاء زيد ؟ فتقول : نعم فتصدقه في مجيئه . ( 3 ) يروى أن طاووسا دخل على هشام بن عبد الملك فقال له : اتق اللّه واحذر يوم الأذان فقال : وما يوم الأذان ؟ قال : قوله تعالى : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ فصعق هشام فقال طاوس : هذا ذلّ الصفة فكيف ذل المعاينة . ( 4 ) قال أهل اللغة : لم يأت مصدر على تفعال سوى حرفين : تلقاء وتبيان . وما عداهما فبالفتح نحو تسيار وتذكار وتهمام ، أما الأسماء فكثيرة نحو تمثال ومفتاح ومصباح ومعراج .